صفي الرحمان مباركفوري

432

الرحيق المختوم

الناس ، حتى دخل على عائشة فتيمم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وهو مغشى بثوب حبرة ، فكشف عن وجهه ، ثم أكب عليه ، فقبله وبكى ، ثم قال : بأبي أنت وأمي ، لا يجمع اللّه عليك موتتين ، أما الموتة التي كتبت عليك فقد متّها . ثم خرج أبو بكر وعمر يكلم الناس ، فقال : اجلس يا عمر . فأبى عمر أن يجلس ، فأقبل الناس إليه ، وتركوا عمر ، فقال أبو بكر : أما بعد ، من كان منكم يعبد محمدا صلى اللّه عليه وسلم فإن محمدا قد مات ، ومن كان منكم يعبد اللّه ، فإن اللّه حي لا يموت . قال اللّه : وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ ، قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ ، أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ ، وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً ، وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ [ آل عمران : 144 ] قال ابن عباس : واللّه لكأن الناس لم يعلموا أن اللّه أنزل هذه الآية حتى تلاها أبو بكر ، فتلقاها منه الناس كلهم ، فما أسمع بشرا من الناس إلا يتلوها . قال ابن المسيب : قال عمر : واللّه ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها فعفرت حتى ما تقلني رجلاي ، وحتى أهويت إلى الأرض حين سمعته تلاها ، علمت أن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم قد مات « 1 » . التجهيز وتوديع الجسد الشريف إلى الأرض ووقع الخلاف في أمر الخلافة قبل أن يقوموا بتجهيزه صلى اللّه عليه وسلم ، فجرت مناقشات ومجادلات وحوار وردود بين المهاجرين والأنصار في سقيفة بني ساعدة ، وأخيرا اتفقوا على خلافة أبي بكر رضي اللّه عنه ، ومضى في ذلك بقية يوم الاثنين حتى دخل الليل ، وشغل الناس عن جهاز رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، حتى كان آخر الليل - ليلة الثلاثاء - مع الصبح ، وبقي جسده المبارك على فراشه ، مغشى بثوب حبرة ، قد أغلق دونه الباب أهله . ويوم الثلاثاء غسلوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من غير أن يجردوه من ثيابه ، وكان القائمون بالغسل العباس وعليا ، والفضل وقثم ابني العباس ، وشقران مولى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وأسامة بن زيد ، وأوس بن خولي . فكان العباس والفضل وقثم يقلبونه ، وأسامة وشقران يصبان الماء ، وعلي يغسله ، وأوس أسنده إلى صدره . ثم كفنوه في ثلاثة أثواب بيض سحولية من كرسف ، ليس فيها قميص ولا عمامة « 2 » . أدرجوه فيها إدراجا .

--> ( 1 ) صحيح البخاري 2 / 640 ، 641 . ( 2 ) متفق عليه ، صحيح البخاري 1 / 169 ، صحيح مسلم 1 / 306 .